مسألة عذاب جهنم ...



س1203: أطرح إليك هذا السؤال بعد تفكير طويل، وبعد أن طرحته على غيرك ولم أجد منهم جواباً شافياً يحل لي الإشكال .. لقد درست الإسلام ووجدت فيه الخير الكثير، وازدادت قناعتي بأنه دين من الله إلا أن المسألة الوحيدة التي تمنعني من اعتناق هذا الدين هي مسألة عذاب جهنم؛  إن الآيات التي تتحدث عن عذاب جهنم في القرآن كثيرة وقطعية وتؤكد أن عذاب جهنم أبدي للكافرين .. وسؤالي هو حول هذا الأمر: هل إذا عاش هذا الكافر في هذه الدنيا ستين أو سبعين أو مائة عام، ثم يكون مصيره الخلود في جهنم، خلوداً أبدياً، لا يخرج منها أبداً .. هذا الأمر سبب لي مشكلة كبيرة في اعتناق الإسلام لأن العدل الإلهي مذكور في أكثر من موضع في القرآن وهذه المسألة لا أستسيغها، وأعلم أن القران يقول:) فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً (النساء:65. وعلى حالي الذي أنا فيه لست مؤمناً لأني أجد حرجاً وأجد في نفسي احتجاجاً على هذه المسألة نعم لقد سمعت ببعض العلماء يقولون بأن عذاب جهنم غير أبدي وأن النار سوف تُفنى ولكن أجد أن هذا مخالف لما ورد في القرآن ـ المصدر الأول في التشريع الإسلامي ـ فهلاَّ حللت لي هذه المشكلة؟

لقد حاولت إسكات نفسي عن هذه المسألة، وكنت أسير فترة على ذلك ولكن كلما عاودت تخيل نار جهنم عاد لي هذا السؤال ليطرح نفسه بشكل ملح، وكنت أسأل البعض عن هذه النقطة فلا أجد جواباً ينهي هذا التساؤل نهائيا  .. فهل أجده عندك يا شيخنا الفاضل؟!
الجواب: الحمد لله رب العالمين. اعلم ـ هداك الله وشرح صدرك للحق ـ أن الشرك لظلم عظيم .. لا يعلوه ولا يوازيه ظلم ..  لذا كتب الله تعالى على نفسه أن يغفر كل ذنب لمن شاء عدا الشرك فإنه سبحانه وتعالى لا يغفره، كما قال تعالى:) إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً (النساء:48. ولكي تُدرك عِظم الشرك وتتضح الصورة أكثر، أضرب لك المثال التالي: قد عُرِف عن الأم أنها أرحم الناس بولدها .. إلا أن هذا الولد يقول لأمه: أنتِ لستِ أمي .. وليس لك علي حق الأمومة .. إنما أمي هي امرأة الجيران .. بل هذا الصنم أو الوثن .. بل هذه الكلبة العقور .. بل هذه البقرة ـ وما أكثر من يعبد البقر في زماننا ـ هي أمي .. ولها علي حق الأمومة والطاعة .. وهو يعني ما يقول .. وجادٌّ فيما يقول ويفعل .. ثم أن أمه الحقيقية يتجاهلها تماماً ولا يلتفت إليها في شيء وكأنها ليست موجودة في عالم الأحياء .. ماذا تتوقع من هذه الأم أن تفعل بولدها .. أو تحكم عليه .. ولو حكمت عليه بأقصى العقوبات الدنيوية التي يتصورها عقل .. هل تراها تُلام في شيء ..؟!
سيأتي الجواب المنصف: لا؛ لا تُلام .. ولا ينبغي تُسأل أو تُلام .. لأن هذا الولد العاق جاحد لأمومتها .. وفضلها .. وحقها عليه .. وما أعظم فضلها وحقها عليه!
أقول: ولله المثل الأعلى .. ففضل الله على عبده .. مهما قيل في عظمته .. فهو أعظم وأكبر .. وأجَلّ .. ونعمه عليه لا تُقدَّر .. وهي فوق أن تُعَد أو تُحصى .. فما من نعمة تُصيب العبد فمن الله تعالى وبفضل منه سبحانه وتعالى .. ثم هذا العبد على مدار لحظاته وأنفاسه .. وحركاته وسكناته .. لا غنى له عن ربه سبحانه وتعالى .. فهو يتقلب بالنعم تلو النعم .. ومع كل ذلك .. وبعد كل ذلك .. يجحد العبد ربوبية وألوهية الله تعالى .. وفضله .. ومن ثم حقه عليه .. ويقول هذا العبد الجحود لربه ما قال ذاك العبد العاق لأمه: أنت لست ربي .. ولا خالقي .. وليس لك على أي فضل .. أو حق .. وإنما الذي له كامل الفضل أو الحق .. هذا الصنم أو الوثن .. هذه الحجرة .. هذا الشيطان .. هذا الطاغوت .. هذه البقرة .. وما أكثر الذين يعبدون البقر والطاغوت من دون الله في هذا الزمان .. ثم هو ينصب الحرب والعداوة والبغضاء لله تعالى ولرسله .. ويَصِفَّ للحرب والقتال مع كل شيطان وطاغوت .. ضد الله تعالى .. وضد دينه .. وضد أنبيائه وأوليائه .. وهو مع كل ذلك تراه يشتم الله تعالى .. ويكذِّبه .. ويستهزئ به سبحانه وتعالى وبآياته ورسله .. والله تعالى يصبر عليه .. ويُقابل عصيانه وكفره وجحوده وعداءه .. بالحلم .. والعطاء .. والرزق .. والمن .. وغير ذلك مما ترى المشركين  يتقلبون فيه من النعم والخيرات!!
أرأيت أي ظلم يكون هذا الشرك .. وأي ظالم يكون هذا المشرك .. أأدركت حجم ظلم وعدوان الشرك والمشرك .. الآن؟!
فإن قلت: نعم ـ ولا بد لك من أن تجيب إلا بنعم ـ أدركت حينئذٍ أن عقاب الله تعالى للمشركين ـ يوم القيامة ـ المقرر في كتابه العزيز .. هو تمام العدل المطلق .. وأدركت أن جهنم حق .. وعذابها حق.
واعلم أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في أسمائه ولا في شيء من خصائصه صفاته سبحانه وتعالى ؛ لا في عفوه ورحمته ووعده وجزائه لعباده المؤمنين الموحدين .. ولا في عقابه ووعيده وعذابه للمشركين المجرمين .. فكما أن عطاءه لعباده المؤمنين الموحدين فوق كل تصور .. وفوق ما تدركه العقول والأبصار .. وما لا خطر على قلب بشر .. وبما يتناسب مع عِظم غنى وكرم وجود ورحمة الخالق سبحانه وتعالى.
تصور لو قيل لك أن الله تعالى سيُجازيك على عبادتك وطاعتك وتوحيدك له في الدنيا .. ببيت في الجنة يتألف من خمسة غرف .. وحديقة لا تتعدى مساحتها ألف متر مربع مثلاً .. لربما ظننت سوءاً بالخالق سبحانه وتعالى .. ولبادرك السؤال التالي: كيف أن الله تعالى ليس كمثله شيء في غناه وسعة ملكه .. وجوده .. وعطائه .. ورحمته .. ثم يكون هذا عطاؤه لعباده المؤمنين الموحدين وحسب .. ولربما أرسلت إلي سؤالاً آخر لتقول لي .. الإسلام كله حق إلا هذه الجزئية لم أفهمها .. اشرحها لي؟!
كذلك وعيده وعذابه الأليم فهو فوق كل تصور وخيال .. وفوق أن تدركه ـ على حقيقته ـ العقول والأبصار .. ولا خطر على قلب بشر .. وجانب العفو والرحمة .. وكذلك جانب العقاب والعذاب .. كلاهما يتناسبان مع مقتضيات أسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العليا .. فكما أن الله تعالى غفور، رحيم، رحمن، ودود، لطيف، رفيق .. ولهذه الأسماء والصفات مقتضيات وأفعال تناسبها .. كذلك فهو العزيز، القوي، القدير، القهار، الجبار، المتكبر، المنتقم .. شديد العقاب .. لا يعذب كعذابه أحد .. ولهذه الأسماء والصفات مقتضيات وأفعال تناسبها.
ثم اعلم أنني لو سودت لك عشرات الصفحات كجواب عن سؤالك .. ثم أن الله تعالى لم يشأ لك الهداية .. فكلماتي وكلمات غيري لن تنفعك .. ونصيحتي لك أن تتواضع لله تعالى .. وأن تُحسن الظن به سبحانه وتعالى .. وأن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم .. وأن تقوم فتغتسل .. وتقف بخضوع وانكسار بين يدي ربك .. تسأله الهداية والتوفيق .. قبل  فوات الأوان .. وقبل أن يُهاجمك الموت فجأة .. فتندم على ما فرطت بحق نفسك وحق ربك .. ولات حين مندم!