المصالح المرسلة

س1201: وقعتُ على سؤال وجه لكم في منتديات بيت المقدس ـ سؤال رقم 19 ـ استشهدتم فيه بالمصالح المرسلة كمصطلح .. حيث كنتُ من قبل أعتبركم أنكم لا تحتجون بها لانعدام الدليل عليها .. ألا وأنكم فعلتم .. فهلا ذكرتم لنا ـ حفظكم الله ـ الوجه الشرعي لاعتبار مثل هذه المصالح .. وخاصة أن الدلائل الشرعية من القرآن والسنة وأقوال أهل العلم المعتبرين تسد باب الاحتجاج بها.
قال الله تعالى:) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي (المائدة:3.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" والذي نفسي بيده ما تركت شيئا يقربكم من الجنة ويباعدكم عن النار إلا أمرتكم به .. ".
وحتى الشروط التي وضعها بعض العلماء ... من حيث أن تكون هذه المصالح ضرورية، وكلية، وقطعية .. فهي معان دلت عليها النصوص الشرعية، وليس أن الشرع لم يشهد لها بإلغاء أو إثبات، كما هو أصل هذه المصالح .. وجزاكم الله خير الجزاء.

الجواب: الحمد لله رب العالمين. موقف الناس من المصالح المرسلة فريقان: فريق أنكرها مطلقاً، وفريق آخر أقرها مطلقاً، وكلا الفريقين أصابا من وجه، وأخطأا من وجه آخر .. فالذي أنكرها مطلقاًً؛ أصاب من جهة قوله أن نصوص الشريعة قد دلت على كل مصلحة نافعة .. وأخطأ من جهة اعتباره أن النص الشرعي قد دل على كل مصلحة دنيوية .. وكل جزئية من جزئياتها .. بعينها واسمها .. وصفتها .. وبالتالي لا وجود للقول بالمصالح المرسلة.
أما الفريق الذي أقرها وقال بها .. فقد أصاب من جهة قوله أن نصوص الشريعة لم تدل على كل مصلحة دنيوية بعينها واسمها .. وصفتها .. ونوعها .. وبالتالي لا بد من الاجتهاد والقول بالمصالح المرسلة .. وأخطأ من جهة اعتباره أن النصوص الشرعية لم تدل على كل المصالح .. وهناك مصالح لم تشر إليها نصوص الشريعة مطلقاً لا تحديداً أو تعييناً ولا تلميحاً أو إشارة .. ولا أمر بها أمراً عاماً .. وهي التي تُسمى بالمصالح المرسلة!
والصواب ـ هو وسط بين القولين ـ: أن يؤخذ الصواب من القولين، ويُرد الخطأ منهما، فنقول: نصوص الشريعة دلت على مطلق المصالح الدينية والدنيوية إما دلالة مباشرة وإما دلالة عامة وغير مباشرة .. والمصالح التي دلت عليها دلالة عامة غير مباشرة .. ومن دون تحديد لها .. ولنوعها .. ولصفتها .. ولاسمها .. هي التي يُستحسن أن تُسمى مصالح مرسلة .. أو تُدرج في خانة المصالح المرسلة .. كأنظمة وقوانين المرور الحديثة مثلاً .. فنصوص الشريعة لم تنص عليها بعينها ولم تحددها باسمها ونوعها .. لكنها أشارت إليها إشارة عامة .. وأمرت بها أمراً عاماً من غير تحديد لها .. فهذه تُسمى مصالح مرسلة؛ أي لم يُشر النص إليها وإلى نوعها واسمها وصفتها .. بنص محدد، ينفيها أو يثبتها.
فإن قيل أين الدليل على ما ذكرت .. وأن نصوص الشريعة قد دلت على أنظمة المرور الحديثة .. ونحوها من الأنظمة الإدارية الحديثة النافعة؟
أقول: الأدلة كثيرة منها، قوله تعالى:) وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ (الأنفال:60. فكل المفردات والاختصاصات والأعمال التي تدخل في معنى القوة .. وتؤدي إلى القوة .. فالآية الكريمة تشملها وتعنيها وتُطالب بها وإن لم تذكرها باسمها وعينها وصفتها .. فهي مصالح مرسلة من جهة كونها لم تُذكر بعينها واسمها .. وصفتها .. وتحتاج من المسلم إلى اجتهاد مستمر لا يتوقف .. ليكتشف أصناف وأنواع هذه القوة .. ليستخرجها من باطن الأرض وفوقها .. لكن بنفس الوقت النص قد أمر بها أمراً عاماً .. وأشار إليها إشارة عامة .. تليق بعظمة وجلالة وبلاغة كتاب الله العظيم.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:" أن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها ". فهذه الأشياء التي سُكت عنها ومن غير تحديد ولا ذكر لها .. فهي على أصل الإباحة .. مصالح مرسلة .. تُعرف وتُكتشف ـ على مدار الأيام ـ بالاجتهاد والبحث.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:" احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز ". فقوله صلى الله عليه وسلم:" احرص على ما ينفعك "؛ أمر عام .. وإشارة عامة لكل ما ينفعك .. في شؤون دينك وحياتك ودنياك .. الصناعية منها .. والزراعية .. والإدارية .. والتعليمية .. والعسكرية وما طرأ عليها من أنظمة حديثة .. تناسب التطور العسكري المعاصر .. فهذه كلها .. مما تنفع .. والحديث أمر بها أمراً عاماً من غير تحديد لاسمها وصفتها .. ونوعها .. وحض على اكتشافها والبحث عنها .. وهو ما يُسمى بالمصالح المرسلة.
فإن قيل: علام سميتها مصالح مرسلة والحديث قد أشار إليها إشارة عامة كما أشرت وقلت؟!
أقول: سميناها بالمصالح المرسلة .. على اعتبار أن النص قد أشار إليها إشارة عامة وأمر بها أمراً عاماً .. لكنه لم يشر إليها وإلى اسمها وصفتها .. ونوعها .. وأجزائها .. بنفي ولا إثبات ..
فتركها مرسلة من غير تحديد لها .. لتُكتشف عن طريق الاجتهاد. 
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:" لا ضرر ولا ضِرار "؛ فكل ما يضر على الإطلاق المحدد منه بنص .. وغير المحدد منه بنص .. فالحديث يطاله ويشمله ويعنيه .. وغير المحدد منه بنص .. هو الذي يستحسن أن يدخل اجتنابه في خانة ومعنى المصالح المرسلة.
فإن قيل: هل يصح الحديث عن المصالح المرسلة في المسائل أو الجانب الديني التعبدي الشعائري .. أو في جانب الاعتقادات والقيم والمبادئ والأخلاق .. أو فيما ورد فيه نص من شؤون الدنيا وأحكامها؟
أقول: لا؛ لأن النص قد أبان وأشار إلى كل ما ينفعنا في ديننا وآخرتنا، ويدخل في معنى الشعائر التعبدية .. والنسك .. باسمه ونوعه .. وصفته .. وأجزائه .. وجميع تفصيلاته .. لا مجال فيه للحديث عن المصالح المرسلة ولا للاجتهاد إلا من جهة البحث عن النص والقياس عليه .. كما لا يجوز إقحام الحديث عن المصالح المرسلة في المسائل والأحكام والشرائع الدنيوية التي أشار إليها النص بصورة مباشرة ومحددة .. كالمحظورات من المأكولات والمشروبات والملبوسات والمعاملات التجارية والبيوع وغيرها من المعاملات والأحكام .. ونحو ذلك الاعتقادات والقيم والمفاهيم والأخلاق التي أشار إليه النص إشارة محددة .. وإقحام الحديث عن المصالح المرسلة في هذا الموضع أو هذا المجال .. هو من الإحداث والابتداع في الدين .. والتعدي على النص .. وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار!
كما لا يجوز أن تأتي نتائج الاجتهاد في ميادين المصالح المرسلة .. بخلاف النص .. وما يدل عليه النص .. أو بخلاف قواعد ومبادئ ومقاصد الشريعة بشكل عام .. وأيما اجتهادٍ تنتهي نتائجه إلى مخالفة نص من نصوص الشريعة .. أو مقصد من مقاصدها .. فهو رد.
فإن قيل: كيف إذاً نفهم ونفسر الحديث " والذي نفسي بيده ما تركت شيئا يقربكم من الجنة ويباعدكم عن النار إلا أمرتكم به " ونوفق بينه وبين ما تقدم من كلامكم .. واستدلالاتكم؟
أقول: يُفهم ويُفسر كالتالي: أي ما ترك النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً من أمور الدين يقربنا إلى الله تعالى وإلى الجنة ويباعدنا عن النار إلا وقد أمرنا به وبينه لنا بنص جلي يحدده باسمه وصفته ونوعه .. علم ذلك من علم وجهله من جهل .. وما ترك شيئاً من أمور الدنيا ومعاملاتها وأحكامها يقربنا من الجنة ويباعدنا عن النار إلا وأمر به وبينه لأمته بياناً محدداً بنص يحدده باسمه وصفته ونوعه .. أو أمر به أمراً عاماً .. وأشار إليه إشارة عامة .. من غير تحديد ولا ذكر لنوعه واسمه وصفته .. وهو ما يُعرف أو يُسمى بالمصالح المرسلة .. وهو ميدان من ميادين الاجتهاد الذي حض عليه الشرع .. واكتشافها ـ أي المصالح المرسلة ـ مقصد من مقاصد الاجتهاد .. وميدان من ميادينه الواسعة .. ومن هنا قال أهل العلم بأن الاجتهاد بابه مفتوح .. ودائم .. لا يُغلَق إلى أن يرث الله الأرضَ ومن عليها.
فإن قيل: وقوله تعالى:) الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (؛ كيف نفهمه ونفسره على ضوء ما تقدم ذكره؟
أقول: لا إشكال ولا تعارض ولله الحمد .. فالدين قد اكتمل .. ومن اكتمال الدين الإذن والأمر بالاجتهاد في ميادين المصالح المرسلة .. والضرب في الأرض .. وإعمارها بالمنافع والخيرات .. وكل ما ينفع الإنسان في دنياه .. وترجح منفعته ومصلحته على ضره ومفسدته .. والله تعالى أعلم.